ركبت في الحافلة وجلست على أحد الكراسي , ثم ركب شاب وسيم , سلّم على الركاب فعرفت أنه عربي , فأشرت إليه ليجلس جنبـي , ثم ركب شيخ وهو يترنم بهذا المصراع الشعبـي من الشعر: "مرمر والهيابه انثنت بيه".
فجلس خلفنا , ثم ركب شاب ذو لحية مكثفة وجلس جنب الشيخ وكان عربياً أيضاً. سارت السيارة نحو معشور وأنا لم أستطع الصبر أكثر , فالتفتّ وسلمت على الشيخ وطلبت منه أن يعيد البيت الذي كان يترنم به عند صعوده. تبسم وقال: رحمك الله يا شيخ خزعل , عندها توجه الشابان صوبه أيضاً. ثم استدرت كاملاً صوبه وكأني وجدت ما ضيعته منذ سنين عنده , فأردف قائلا:
هذا البيت لشيخ خزعل , ثم أسمعنا أبياتاً أخر كان يحفظها , وأسمعنا الشاب الوسيم أبياتاً فصيحة. فكانت مشاعرة جيدة أنستنا معاناة وعرة الطريق. والشاب الذي كان قد جلس جنب الشيخ , فأنه يحاول أن يشغل نفسه بكتاب أو بشئ آخر , ويبدو أن البحث لم يعجبه.
فبينما كان يسحرنا الشعر كما قيل " الشعر سحر " و كنا نتلذذ باستماعه , أوقف البسيجيون الحافلة وصعد أحدهم وبدأ يتفحص بطاقات هوية الشباب. فحكم السكوت في فضاء الحافلة الضيّق , والركاب ينظرون إلى هذا الكريه باشمئزاز كامل حتى أن نزل. فقال الشاب الوسيم عندما اجتازت الحافلة الحاجز وانطلقت لتطوي ما تبقى من الطريق: البسيجيون جعلهم النظام لأذية الناس وإيجاد الرعب ليس إلا. عندها غضب الشاب الملتحي الذي كان قد جلس جنب الشيخ وكأنه أسد جُرح إثر رصاصة صياد , قام ثم جلس ثم خاطب الشاب الوسيم وقال: أنت كافر , كيف تتجرأ وتهين البسيجيين وأنا منهم؟ قال الشاب الوسيم بكل برودة: لم تشرفنـي , واسمح لي أن أبرز أسفي الشديد لكونك بسيجي.
قال الملتحي: ولكنـي آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر وأدافع عن الشريعة الخمينية (قالها في ضيق وغضب مكتوم). قال الوسيم: يا أخي دافع عن الشريعة المحمدية بدل الشريعة الخمينية (قالها وتبسم). الملتحي: لماذا تكرهون المعممين ورجال الدين لهذه الدرجة؟ الوسيم: كلا , أنت على خطأ , نحن نكره الذين ظلمونا باسم الإسلام وأنهم ليسوا رجال دين كما يزعمون , بل سكنوا المساجد ليغشوا الناس وجعلوا المساجد فخاً يصيدون بها الشباب الناشئين. ثم كن منصفاً وقل: أما ترى مظلوميتنا ؟ الملتحي: عن أي ظلم تتكلم ؟ أن الثورة الإسلامية طردت الطاغوت وحكمت بالإسلام. الوسيم: إذن أنت ما زلت غارقاً في طوفان إعلاناتهم كما غزا هذا الطوفان الدول العربية المجاورة والنائية أسفاً , حتى أني أرى مثقفين عرب في تلفزيون المستقلة يدافعون عن ايران كونها حكومة اسلامية كمايزعمون وليتهم يزورون الأحواز ويرون أبناء امتهم كيف يتألمون من هؤلاء (المسلمين). أما ترى أن قوميتك قد اُهينت من قبل الايرانيين كلهم؟
ثم صمت برهة وبلل شفتيه بلسانه واستطرد الكلام: في زمان الشاه الملعون عانينا ما عانيناه , وفي هذا الزمان وقد طلت علينا الثورة الإسلامية كما تسمونها , مازلنا نعاني من أنواع الاضطهادات , إذ أنهم لا يسمحون لنا بنشر جريدة عربية أو بث تلفزيون يتكلم بلغتنا ويبث ثقافتنا الأحوازية , بينما هناك دول عربية لا يبلغ عدد سكانها المليون الواحد وأن لديهم أربع أو خمس قنوات تلفزيونية. هل سألت نفسك لماذا لا يبث تلفزيون عبادان برامج عربية ولا لدقيقة واحدة ؟ وأن برامجه كما يزعمون تبث لأهل المحمرة وعبادان معاً. أليس هذا إنكاراً لقوميتنا العربية ومحاولة لمحو ثقافتنا؟
الملتحي : أنت عنصري حيث تركز على معاناة العرب فحسب , تكلم عن الشعب الايراني المسلم اجمع. تبسم الوسيم وقال: يا أخي المحترم ,هناك فرق شاسع بين العنصرية والقومية وأنك لم تتعرف بعدُ على معنـى القومية نعم , لقد التبس الأمر عندك , العنصرية يا أخي العزيز مرفوضة لدى جميع الشعوب , إنما كل شعب يميل إلى قوميته كما أن الآريائيين يميلون إلى قوميتهم ولتراثهم ولتأريخهم ويفتخرون بكورش وداريوش وحتـى خسروبرويز(ممزق رسالة النبـي العربي). ثم قل لي: ماذا تعرف عن تأريخ الأحواز؟ ماذا تعرف عن الثقافة العربية وعن التراث العربي؟ قال الملتحي: أعرف الكثير وأني قرأت ما فيه الكفاية عن هذه المواضيع. الوسيم: بل أنك قرأت في المدرسة تأريخاً مزيفاً كتبه الفرس. لا تكتف بكتب الفرس فحسب , اقرأ الكتب التي ألفها كتاب العرب أيضاً. فإن الفرس يا صديقي إذا أرادوا أن يكتبوا عن العرب لن يعرفوا سوى سلبياتهم(كما يكررون دائماً بأن العرب دفنوا بناتهم في العصر الجاهلي) ويغضون النظر عن مفاخر العرب و ينسون فضائحهم كالزواج من أمهاتهم وأخواتهم. أو أن الشيخ خزعل شخص خائن وأنه تعاون مع الانكليس لـيُجزي خوزستان (أي الأحواز) من ايران. فانهم يستخفوننا كي نطيعهم.
ولا يذكرون حكومة المشعشعيين في الحويزة أو إمارة كعب في الفلاحية ثم إمارة خزعل في المحمرة وأن هذه الحكومات لم تكن تابعة لايران , وأن الكعبيين خاضوا حروباً ضد الايرانيين ليدافعوا عن إمارتهم العربية. ثم همّ الشاب الملتحي أن يدافع عن قيمه الكاذبة , لكن الشاب الوسيم عاجله مستفهماً: أسألك بالله , لماذا لا يسمحون لنا باستخدام أسماء مدننا العربية ألم يغيرها البهلويون من العربية إلى الفارسية وقد سقطت حكومتهم منذ سنين؟ هل تعلم أننا محرومون من أن نسمي أطفالنا بأسماء عربية كما نشاء وذلك في حكومة إسلامية كما تقول؟ ثم هل فكرت يوماً بالفرق الكبير بين الحياة في اصفهان وفي الفلاحية مثلاً؟ ألم يعش أهل الفلاحية فوق كنـز من النفط؟ فلماذا حالهم حال الضيم؟ فإنهم كالجمل (حمله تمر وطعامه عاقول)!
ثم سدد إلى الشاب البسيجي الملتحي نظرات ذات عتاب وقال: تلتحقون بالبسيج وأنتم صغار لا تميزون ما ينفعكم وما يضركم , وعندما تبلغون سن الرشد ترون في التراجع هدماً لصرح كبريائكم. كان الشاب الملتحي يستمع العتاب وكأنه قد اقتنع تماماً.
وعندها صاح السائق: تفضلوا لقد بلغنا معشور. فقلت وأنا قد أعجبت بالشاب الوسيم: بهذه السرعة؟ وقال الشيخ وهو يخاطب الشاب الوسيم: أنت بارع في المحاضرات السياسية يا ولدي. ونزلنا جميعاً إلا الشاب الملتحي , فهو ما زال جالساً , شارداً ببصره إلى آفاق مجهولة وكأنه يبحث عن شئ , حتى صاح السائق : ألم تنـزل؟ هذا آخر المطاف. أمّا أنا فكنت أكلم نفسي: إذا كان الكلام منطقياً ينبعث من الحقيقة ويُلقى بإسلوب سليم فأنه ينفذ كما تنفذ الابر.
أمل الأحوازي